To Think


We are part of
The World Coalition Against Death Penaly and The Arab Coalition Against Death Penalty.

الحملة الوطنية من أجل الغاء الاعدام في لبنان
1997 - 2001
المحامي حسن القواس

يرسّخ القناعة بحرمة الحياة … والمؤبّد بديل رادع

يثير حكم الإعدام صراعاً قديماً بين مؤيّد متشدّد يريد البطش والقوة والقسوة في القصاص والعقاب، وبين مُعارض متأثّر بالإيمان والروح الانسانية والتطور الحضاري، يطالب بإلغاء هذه العقوبة، واستبدالها بعقوبة زاجرة ناهية رادعة كعقوبة الأشغال الشاقة المؤبّدة.
والموضوع مطروح في لبنان على بساط البحث منذ أيام الاستقلال. كثيرون هم الذين كتبوا وانتقدوا من مؤيّدين ومعارضين. فكان لصرخة الأديب خليل تقي الدين صدىً ما زال يدوي في الضمائر، عندما أطلق النّداء قائلاً: «أيّها الجلاّدون … لستم خيراً من أبناء القرون الوسطى … متى كان الموت مشهداً تفرّج عليه الناس … انكم تقتلون رجلاً …» ثم يقول:«عدت إلى منزلي فجمعت ما فيه من صحف ومجلات … كتب الإعدام المرصوفة على الرفوف تصدمني …ويسحقني … ما في بطونها من رعب وعذاب وإعدام… لا أدري أية ثورة انتابتني فرأيتني أنزع المجلات من أماكنها وأقذف بها في الهواء وأدوسها … فتتطاير … فعلى المنضدة صورة مقصلة … وعلى باب الحمام مشنقة … وتحت السرير جلاد … خلتني وأنا أمزق وأحطم وأدوس وأثأر … خلتني الجلاد الأعظم ذلك الذي وكل اليه أمر اعدام الجلادين».
كثيرون هم الذين ناقشوا وبحثوا وكتبوا وحاوروا. لكن الرأي العام لا يتأثر ولا يتكون على حقيقته الا بالإتصال المستمر، والحوار البناء، والاحتكاك الدائم، والتفاعل باحتدام الجدل والنقاش، والتوجيه العلمي المنطقي والموضوعي من قبل أصحاب الرأي والفكر، واستخدام وسائل الإعلام، ومساهمة الجمعيات والمؤسسات الثقافية والتربوية. فالبحث والنقاش والجدل والحوار، هي الوسائل والمؤثرات الثقافية التي تتفاعل في صراع ما بين قلب الانسان وضميره، فتتقلب الأفكار وتتنازع الآراء حتى تتكون عنده القناعة.
والقناعة ترجيح متحرّك للفكر والقرار. بمعنى أن الرأي قابل للتغيّر عند المرء، مع الزمن المتطور، ومع تأثير الحوار والنقاش ومقارعة الحجة بالحجة. وما استئثار المرء برأيه، الا درب من الجمود، وترجيح الأهواء والعاطفة على الفكر والموضوعية.
نعم، ان طرح مسالة إلغاء عقوبة الاعدام موضوع قديم في لبنان، لأنّ حركة التطوير والتوعية كانت دائماً ناهضة وفاعلة ومؤثرة. غير ان التحرّك الذي نشاهده اليوم والمشاركة والمساعدة، مبادرة مباركة، لأن لبنان تجاوز المراحل الصعبة في بناء دولة القانون واستقرار الوضغ الأمني في الدّاخل، وهذه الخطوات هي المؤشّر الفعّال لكلّ حركة نهضوية متطورة، مواكبةً لركب الحضارة التي نطمح إلى تحقيقها. إنّ الأجواء الأمنية الاستقرارية هي التي تشجع على أخذ المبادرة والمطالبة بالغاء عقوبة الاعدام في القانون اللبناني. ولكن إن كانت أجواء الاستقرار والاطمئنان التي ينعم بها الوطن اليوم، تشجع على المطالبة بالغاء القوانين الاستثنائية المتشدّدة، التي فرضتها الأحداث، فهي توجب علينا ايضاً أخذ العبرة من الماضي، لأنّ النكسات الأمنيّة التي عشناها كانت السبب في وقف أو تأخير عجلة التطور في سائر الميادين، لا سيّما بالنسبة إلى تطوير وتحديث القوانين، وأهمّها إلغاء عقوبة الاعدام.

1-نكسة سنة 1958:

على أثر الاضطراب الأمني الذي حصل سنة 1958، اصدر المجلس النيابي بتاريخ 16 شباط 1959، قانونا متشدّدا حمل اسم صاحب الاقتراح المرحوم النائب ريمون ادّه. ان هذا القانون قد نصّ على توقيف مفعول المادتين 547 و 548 من قانون العقوبات، اللتين تنصّان على القتل قصداً، وكانت عقوبة هذه الجريمة في الحالتين تتراوح بين الأشغال الشاقة لمدة خمس عشرة سنة والمؤبّد. لكن القانون الاستثنائي المذكور شدّد العقوبة واستبدلها بالإعدام. فتساوى الوضع في القتل قصداً مع الوضع في القتل عمداً، وذلك خلافاً لمنطق العدالة، كما نصّت المادة الثالثة من القانون الاستثنائي على عدم منح فاعل الجريمة في أية حالة من هذه الاحوال الأسباب التخفيفية. ثم ألغي هذا القانون في 3 حزيران 1965.
يقول النائب نديم نعيم رحمه الله في ندوة له سنة 1971: إن هذا القانون جعل من محاكم الجنايات آلات اوتوماتيكية لتطبيق عقوبة الاعدام، دون ان يكون لها الحق بتقدير الظروف او الاسباب السابقة والمرافقة لارتكاب الجريمة. «ولذا فقد رأينا رئيس الجمهورية آنذاك اللواء فؤاد شهاب ومن بعده الرئيس شارل حلو، بعد ان تكاثرت احكام الاعدام، يحجمان عن البت في طلبات العفو بتجميدها ... لأن هناك جرائم لا تستحق فعلا عقوبة الاعدام... فكانت النتيجة معاكسة تماماً لما كان يتوخاه قانون 16 شباط 1959»,
«أما محاكم الجنايات التي كانت تعرض عليها جنايات القتل قصداً التي كانت مقتنعة بعدم توجب انزال عقوبة الاعدام بشأنها، كانت تلجأ الى وصف الجناية بغير وصفها الحقيقي لتفادي العقوبة الصارمة القصوى».

والاستنتاج الذي نستمدّه من مفعول القانون الاستثنائي مزدوج، فمن جهة كان الإحجام عند السلطة السياسيّة بتجميد تنفيذ عقوبة الاعدام، ومن جهة ثانية لجأ أولياء الأمر السلطة القضائية الى التهرب من مفعول القانون الاستثنائي، تطبيقاً للعدالة وراحة الضمير.
وقد أبدى النائب نعيم رأيه بأن موضوع إلغاء عقوبة الإعدام مرتبط بالاستقرار الأمني، وأنّ الالغاء يتطلّب سنّ قانون بديل ينصّ على عقوبة المؤبد دون الافادة من اي قانون عفو لاحق.
نُذكّر هنا أيضاً بالقانون الاستثنائي المشابه، الذي يطبق حالياً وهو قانون رقم 302/94 والذي علق مؤقتاً أحكام المادتين 547 و 548ق.ع وهو يطبق بشأنهما عقوبة الاعدام مانعاً على القضاء منح الأسباب التخفيفية. إن هذا القانون الجائر الاستثنائي والمؤقت لم يعد من مبرر لبقائه ولا بدّ من الغائه. لأنه يتعارض مع الدستور ومع استقلالية القضاء وحريته في تكوين قناعاته، ولأن القوانين الاستثنائية ربما يصحّ تطبيقها في ظروف أمنية مضطربة، ولا داعي لتطبيقها عندما يستقرّ الوضع الأمني كما هي الحال الآن في لبنان.

2-نكسة الحرب اللبنانية:

لقد توليت في الحياة القضائية مهام مختلفة، منها رئاسة محكمة جنايات، أُنشئت خلال الحرب اللبنانية، للنظر بجرائم القتل في لبنان. وكان هذا التنظيم القضائي قد نشأ في أواخر عهد الرئيس سليمان فرنجية وبداية عهد الرئيس الياس سركيس، بموجب القانون رقم 9 الصادر بتاريخ 5 آذار 1975، واستمرت المحكمة تعمل لغاية سنة 1991، ثم توزّعت اشغالها على سائر المحاكم الجنائية في المحافظات بحسب الصلاحية بعد ان انتهى دورها.
وقد ورد على هذه المحكمة في هذه المرحلة، اي خلال ست عشرة سنة، 720 قضية من جرائم القتل، فصلت المحكمة منها بالرغم من ظروف الحرب 661 قضية، كان من اصلها:
124 حكماً: البراءة
10 احكام: دفاع مشروع
13 حكماً: مأوى احترازي
18 حكماً: مؤبدا
حكم واحد: اعدام وجاهي نفذ بتاريخ 8/4/1983
71 حكماً: غيابياً
أما سائر القضايا الباقية فكانت احكامها مختلفة.

3-يستنتج مما تقدم ما يلي:

-إن الجرائم التي أحدثتها الحرب كانت بشعة مخيفة ومرعبة، لكنها خارج نطاق هذا البحث ولا نريد ان نتذكرها. اما نسبة ازدياد الجرائم العادية بسبب الاحداث لا سيما جرائم القثل فكانت ضئيلة.
-ان احكام الاعدام نادرة ونسبتها قليلة. وهي على قلتها لا تنذر بالخوف والخطر من تفشي الجريمة حتى تنفذ بشأنها عقوبة الاعدام.
-ان استبدال الاعدام بعقوبة المؤبد، تدبير رادع في مبدأ القصاص، وهو يسمح عند من يخضع لفعل الندامة، في اعادة التطبيع والتأهل.
Stefani Levasseur Bouloc Dt. Pen.
Général N.470-499-509-510
-لم يثبت علمياً واجتماعياً ان عقوبة الاعدام ترهب وترعب الجناة.
-ان قوانين العفو العام ومراسيم العفو الخاص افرجت عن عدد كبير من المحكومين بالاعدام وذلك بالاستناد الى ظروف يسودها الاستنساب السياسي واحياناً الحظ. مما ينفي مبدأ العدالة في المعاملة بين من نفذت به العقوبة في ظروف التشدد، ومن افرج عنه في ظروف التساهل والرحمة بالعفو العام او الخاص.
-لقد دلت الأحداث أن المجرمين القُساة الذين فرّوا من السّجون بسبب الاضطرابات الأمنية قتلوا او قتلوا مجدداً، ولم تردعهم العقوبات التي انزلت بهم او التي قضوها او نفذوها بالسجن.
-إن المحكوم عليه القابل للإصلاح يهتدي ويندم بسبب عوامل انسانية مختلفة بعيدة عن الحقد والانتقام، متصلة بعوامل المحبة والايمان والعدالة، واني استشهد هنا بقضية فيليب موريس، الفرنسي الذي حكم بالاعدام سنة 1977، والذي نال الدكتوراه في التاريخ وهو في السجن في فرنسا، ثم اعفي عنه سنة 2000، وانتقل الى الحياة ثانية وألف كتاباً سماه «من الحقد الى الحياة»De la haine á la vie. Nouvelle Observateur N. 1896 du 8 au 14 Mars 2001 p.63.
-يراود فكر القضاة الذين يحكمون بالاعدام، وكذلك كل الذين يشاركون بالتنفيذ، من الجلاد الى اصحاب القرار، رهبة ومهابة، هي رهبة قدسية الحياة. وهذه الرهبة لا تفارق الذاكرة في قرارة النفس. ان القضاة الذين يحكمون بالاعدام، وان كانوا يتسلحون بالقانون كتبرير شرعي لهم، لكن هذا التبرير لا ينفع امام رهبة الموت.
-في مجلة Nouvelle Observateur في العدد الصادر في 14/3/2001 اعترافات لبعض الجلادين في اميركا. ويقول احدهم انه: سئم وخجل من اطلاق شحنات الكهرباء، وترك العمل بعد ان أُخضع لثلاث عمليات في القلب. وان عزاءه هو في الايمان والتكفير، ويتحدث جلاد آخر ان 460 محكوماً ينتظرون قدرهم. يذكر ان معظم المحكومين يقاومون اللحظة الاخيرة بشراسة وضراوة يعجز المرء عن وصف بشاعتها.

4- مبادىء في القانون:

لقد حدّد المبدأ المتعلق «بشرعيّة التجريم وشرعية العقاب» Principe de la légalité des délits et des peines. العنصر القانوني لكل فعل جرمي وكل عقوبة مقابلة له، في المادتين الأولى والسادسة من قانون العقوبات اللبناني. وهذا العنصر القانوني يجب ان ينصّ على تعريف لكل عقوبة مقابلة بصورة حصرية.
لقد تشدد القانون الجزائي في تحديد العنصر القانوني للجريمة والعقاب لمنع التجاوزات والظلم، وترسيخ اسس العدالة واحترام شرعة حقوق الانسان، بعد ان تطور مفهوم العقوبة مع الزمن. فمن العقاب الجسدي Peines corporelles الذي كان يتناول تعذيب الانسان في جسده Châtiments, tortures باحداث ألم مادي souffrance physique، مثل الضرب والتشويه والتنكيل وقطع الاوصال والوشم بالنار، الى القتل بعد التعذيب، تطور تعريف العقاب الجزائي الى استبدال العقوبات الجسدية بعقوبات مقيدة او مانعة للحرية مثل السجن والغرامة والمصادرة وغيرها من العقوبات الجزائية المحدّدة حصرا، عقاباً لكل فعل جزائي ينص عليه القانون.
وقد عرّف القانون الفرنسي الصادر سنة 1791 عقوبة الاعدام بحرمان الحياة"Prevation de la vie". ولكن لنتساءل ما هي الحياة وما هو الموت؟
ان القانون الوضعي لا يستطيع ان يحدّد تعريف الحياة او الموت في نصّ قانوني، أكان ذلك بالنسبة للجريمة وتعريفها، او بالنسبة لعقوبة الموت وتعريفها. لأن الحياة و الموت سرّ من الاسرار.
لقد تحدّث العلماء كثيراً عن موضوع شرعيّة عقوبة الموت La question de la légitimité de la peine de mort.
Garraud T.II P.107N.482 P.116 et N.483
والحجج المعتمدة كانت كلها ضعيفة وغير مقنعة، منها مثلا العرف التاريخي بأن عقوبة الاعدام مطبقة منذ القدم، Dt. Penal General 1997 Stefani Le-vasseur Bouloc
N.68-69 p. 54-55
او مقولة ان من يقتل عليه ان يعرف كيف يموت، او ان الجريمة يجب ان تتوازى مع العقاب. لأن هذه الحجج تنهار أمام مبدأ تطور الاحكام مع الزمن. فيتساءل غارو مثلا مرتكزاً على تطور العلم والحضارة، ومنكرا شرعية عقوبة الاعدام بالقول: من يفكر اليوم بالدفاع عن العبودية او التعذيب؟ وقد اصبحت هذه الوسائل بالية و منسية؟Qui songerait á defender aujourd’hui l’esclavage et les tortures?
وعندما يتسائل هذا العالم بقوله: من يفكر اليوم؟
فذلك اليوم كان في تساؤله يعود لسنة 1914، ثم يجاوب فيقول: من المؤكد ان عقوبة الاعدام تتلاشى أمام الحضارة. ويستشهد بمؤلف بكاريا Beccaria الصادر سنة 1776 عن الجرائم والعقاب، الذي ينفي أي حق للدولة في خطف الحياة.
Gaurraud T.II P.108 – 109 N.482
نستنتج مما تقدم أن عقوبة الاعدام لا تنضوي تحت مبدأ الشرعية الجزائية، خلافاً لسائر العقوبات و منها عقوبة المؤبد. تنص المادة 163 من قانون العقوبات اللبناني على ان عقوبة الاعدام تسقط بمرور الزمن بانقضاء مدة خمس وعشرين سنة، فهل ان من يتوارى عن المجتمع كل هذه المدة هو افضل حظاً، وهل ان عقوبة الاعدام تتلاشى بنظر المجتمع بمرور هذه المدة؟ وهل هذا يعني ان عقوبة الاعدام تتوازى مع العذاب والآلام التي يعانيها من يتوارى هذه المدة؟هل نفكر ملياً بحجز حرية الانسان للحظات او ساعات او ايام؟ فكيف يكون عذاب الانسان ان كان فقد الحرية مدى الحياة؟
اننا نستنتج ونقول ان اقصاء الفاعل عن المجتمع مدى الحياة عقوبة لا شك بأنها قاسية ورادعة.
ثم اذا ما عدنا الى التقرير الذي وضعته لجنة صياغة قانون العقوبات اللبناني المؤلفة من الرئيس فؤاد عمون والعضوين الرئيسين وفيق القصار ونجيب بولس رحمهم الله المؤرخ في 24 آذار 1939 ماذا نجد في هذا التقرير؟
لقد جاء في النص الاصلي الفرنسي تحت بند عقوبة الاعدام ما معناه:
ان طريقة التنفيذ في الساحة العامة بقصد الرهبة والعبرة تعطي نتائج عكسية، بسبب ما يطلقه المحكومون والنقاد من اقوال عند التنفيذ. فتتناقل الصحف احاديث آخر لحظات الحياة، التي تنطوي بين السطور على لهفة تثير العطف بدل الاتعاظ. وينتهي التقرير الى القول:
انها طريقة بربرية لا بد من اقصائها من عاداتنا.
2-La Peine de Mort
Le code ottoman édicte cette peine dans vingt quatre cas. Il s’en trouve qui constituent des crimes d’ordre politique comme aussi des infractions dont le degré de gravité ne mérite pas cette rigueur.
C’est donc l’abolition partielle de cette peine qui s’impose.
Quant á son execution, elle a lieu, aux termes de l’article 16 du code penal, par la pendaison sur une place publique. Or la publicité de l’exécution, prevue dans le but de donner á la peine plus de force d’intimidation, paraït, aus résultat de l’expérience, avoir un éffet tout contraire.
Qui n’a pas eu l’écho des bravades des condamnés en face de la potence?
Leur paroles sont colportées avec complaisance par les journaux qui portent, au lendemain de l’exécution, sous des manchettes flamboyantes, le récit captivant de derniers moments du condamné et des détails de sa fin tragique. Souvent, entre les lignes on lit la sympathie que suscite celui qui vient d’expédier un horrible forfait.
Il y a un second reproche á faire au mode d’exécution de la peine capitale: á c’est la simultanéité des executions. Lorsqu’il y a plusieurs condamnés, ils sont en présence les uns des autres.
C’est une mesure barbarequ’il faut bannir de nos usages.

5-علاقة الايمان:

يستشهد غارو بالقول: ان سر الموت le mystère de la mort، وسر المسؤولية، وسر الحق الاجتماعي، هي ألغاز تختبئ وراء الاعدام، وصاحب القول هوPaul Bourget Garraud T.II.N.483
وهذا القول يذكرنا بقول فكتور هوغو ان: المحتوم L’irrévocable، والمفقود الذي لا يعوض L’irréparable، والمجهول الذي لا يحل L’indissoluble، هي اسرار من امر الله وليست من علم البشر.
لقد اثبت التاريخ ان وسائل التعذيب المستعملة حتى الموت لم تغير في طبيعة البشر. لأن الخطيئة تراود الانسان، وتتجاذبه افكار الخير والشر. فلا روح الخير غلبت ولا الفضيلة انتصرت، ولا عقوبة الموت الغت الجريمة، ولم تغير الحضارات من طبيعة الانسان. وما زالت الجريمة ترتكب بنسب ومعادلات مختلفة من بلد الى آخر حتى في أرقى الشعوب.
يقول البير كامو Albert Camus: لا أحد يستطيع ان ينصب نفسه قاضيا مطلقا لالغاء حتى اسوأ المجرمين. لأن البراءة المطلقة ليست من صنع البشر.
ونقرأ في القرآن الكريم عن ظلم الانسان وطغيانه، وعن خيره وشره وثوابه وعقابه، اذ جاء في الآيات ما يلي:
«ونفس ما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها» (7-8 الشمس 91).
وجاء:«ان الانسان لظلوم كفار» (34 ابراهيم 14).
ثم جاء: «فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره. ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره» (7-8 الزلزلة 99).
وتقول الآية: «ولقد كرّمنا بني آدم» (70 الاسراء17).
وتقول: «لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم» (4 التين 95).
وتقول: «ثم سوّاه ونفخ فيه من روحه» (9 السجدة 32).
وتقول ايضاً: «ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي» (85 اسرار 17)
ان الآيات القرآنية التي كرّمت بني آدم، تحرّم القتل في الأصل والمبدأ، وهي لا تسمح به الا في حالات استثنائية كالدفاع المشروع. وهي تدعو دائماً الى التسامح والصلح والوفاق.
من هذه الآيات آية تتحدث عن الدفاع المشروع عن النفس هي: «ومن قُتلَ مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يُسرف في القتل» (33- الاسراء 17).
ثم آية تقول: « من قتل نفسا بغير نفس او فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعاً. ومن احيا نفساً فكأنما احيا الناس جميعاً» (32 المائدة 5).
وآية تقول ايضاً: «ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله الا بالحق» (151 الأنعام6)(33 الاسراء 17).
وتقول آية القصاص: «وجزاء سيئة سيئةٌ مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله» (179 البقرة 2).
وتقول ايضاً:«وجزاء سيئة سيئةٌ مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله» (42 الشورى 40).
اذاً ان الانسان مكرم عند الله، الذي خلقه في احسن تقويم، ونفخ فيه من روحه. فكيف يجوز للانسان ان يخطف هذه الروح بحكم الاعدام؟
كثيرون هم العلماء ورجال الفكر في الاسلام الذين لا يؤيدون عقوبة الاعدام، ويعتبرون ان الاسلام خفف كثيراً من حالات الاعدام السابقة له. ان حديث الرسول (ص) القائل: «ادرأوا الحدود بالشبهات»، هو دليل على ان مدواة الجريمة لا تكون بجريمة مثلها. بل انه يجب على القاضي ان يعود الى كل شبهة تحيط بالفعل فيقدرها، لأن العقوبة ليست هي المقصودة بعينها وموضوعها بل بغايتها. لا سيما ان القرآن يدعو الى الصفح والعفو. واننا نستأنس برأي العلامة الشيخ عبدالله العلايلي رحمه الله الذي قال انه: «أقرب الى رفض عقوبة الاعدام».
(د. غسان رباح
عقوبة الاعدام ص 387)
ان عقوبة الاعدام في نظر المؤيدين لها، تهدف الى تنفيذ العقاب كنتيجة وغاية للاقتصاص والارهاب.
اما الرافضون والمناهضون، فهم قلقون على اسباب الجريمة والوسيلة الرادعة، بالقصاص البديل لحكم الاعدام، كما انهم حريصون على حماية حرمة الحياة وقدسيتها inviolabilité فلا يجوز التعرض لها الا اذا تهدد الخطر المجتمع بأكمله.
فاذا كان المنطق الفرد الطبيعي هو ان يتوازى العقاب مع الجريمة، فان منطق الجماعة هو تحقيق العدالة. والعدالة تفرض حماية الحياة في المطلق، وليس مقابلة الخطيئة بمثلها.
نقول في النتيجة:
ان العهد الشهابي كان قد اصدر فيما مضى عفواً عن الدنادشة، وقد شمل هذا العفو الجماعي جرائم خطيرة. لكن هذا العفو لم يغير شيئاً في العادات والتقاليد العشائرية في تلك المنطقة او في غيرها من المناطق النائية، وهو لم يحقق الغاية المطلوبة. لأن المنطقة البقاعية المذكورة المهجورة وأهلها المحرومين، كانوا وما زالوا بحاجة الى مشاريع انمائية زراعية وصناعية واستشفائية ومدرسية وثقافية، تلك المشاريع التي من شأنها المساعدة على رفع مستوى المعيشة، والنهوض الاجتماعي الحضاري، وبالتالي محاربة الجريمة بالوسائل الحيوية والانمائية والحضارية وليس بطرق سلبية انهزامية مثل العفو، لأن الانسان يتأثر بمجتمعه وبمحيطه، وبالمستوى الاجتماعي الطامح الى التطور، الذي يعطي لكل فرد دوره في العمل، ويؤمن له مورد رزق يكفيه لبناء العائلة والمجتمع الصالح، فعندئذ يصبح المرء حريصاً على طاعة القوانين. وعندئذ يصبح العفو فاعلا ومنتجا للغاية التي توخاها. ان العفو هو هبة ومنحة وتسامح من الدولة المقتدرة، التي تطلب بالمقابل من الشعب الاستقرار واحترام القوانين، على ان ترعى الدولة، على ان ترعى الدولة بالمقابل ايضاً شؤون الوطن والمواطنين بالعدل والمساواة امام
القانون.
ان المطالبة بالغاء عقوبة الاعدام في لبنان اليوم، هي ظاهرة حضارية نتوخى من خلالها ان نثبت من جهة، ان الدولة اللبنانية استطاعت ان تبني دولة القانون بعد مرور مرحلة وجيزة على ذيول الحرب. كما نتوخى ان نؤكد على اهمية المواطنية اللبنانية التي ظل ابناؤها صامدين.
ان المطالبة بالغاء عقوبة الاعدام تتطلب بالمقابل ما يطمئن المجتمع. والاطمئنان يأتي من القناعة بان تكون العقوبة البديلة للاعدام صارمة ورادعة. ولا شك في ان عقوبة المؤبد هي صارمة ورادعة. كما ان الالغاء يرسخ القناعة في ذهن الناس بحرمة الحياة وقدسية ما خلقه الله، وان اعتراف السلطة بهذه القدسية، واعتراف الدولة باحترام حياة الانسان وتنازلها عن عقوبة الاعدام، هو عبرة تطلقها الدولة لحض الناس على المهابة تجاه السر الالهي، واقرار القانون بسر الحياة والموت هو بحد ذاته عبرة واعتراف بحرمة المقدس.

المحامي حسن القواس



حول إلغاء عقوبة الإعدام

يثير حكم الإعدام صراعاً قديماً بين مؤيد متشدد وبين معارض يطالب بإلغاء هذه العقوبة.
والموضوع مطروح في لبنان على بساط البحث منذ أيام الاستقلال.
كثيرون هم الذين كتبوا وانتقدوا من مؤيدين ومعارضين. فكان لصرخة الأديب خليل تقي الدين صدى ما زال يدوي في الضمائر، عندما أطلق النداء قائلاً: "أيها الجلادون... لستم خيراً من أبناء القرون الوسطى.. متى كان الموت مشهداً يتفرج عليه الناس... إنكم تقتلون رجلاً..."
كثيرون هم الذين ناقشوا وبحثوا وكتبوا وحاوروا. لكن الرأي العام لا يتأثر ولا يتكوّن على حقيقته إلاّ بالاتصال المستمرّ، والحوار البناء، والاحتكاك الدائم، والتفاعل باحتدام الجدل والنقاش، والتوجيه العلمي المنطقي والموضوعي من قِبل أصحاب الرأي والفكر، واستخدام وسائل الإعلام، ومساهمة الجمعيات والمؤسسات الثقافية والتربوية.

نعم، إنّ طرح مسألة إلغاء عقوبة الإعدام موضوع قديم في لبنان، لأنّ حركة التطوير والتوعية كانت دائماً ناهضة وفاعلة ومؤثرة. غير انّ التحرك الذي نشاهده اليوم، ومدّ يد العون، والمشاركة والمساعدة، مبادرة مباركة من قِبل الهيئات والجمعيات من أهل الفكر والعلم والقانون.
ولكن إن كانت أجواء الاستقرار الحالية تشجّع على إلغاء القوانين الاستثنائية المتشدّدة التي فرضتها الأحداث، فهي توجب علينا أيضاً أخذ العبرة من الماضي، لأنّ النكسات الأمنية التي عشناها كانت السبب في وقف أو تأخير عجلة التطور في سائر الميادين، لا سيّما بالنسبة إلى تطوير وتحديث القوانين، وأهمها إلغاء عقوبة الإعدام.

1 – العبرة من:

أ ) نكسة سنة 1958
على أثر الاضطراب الأمني الذي حصل سنة 1958، أصدر المجلس النيابي بتاريخ 16 شباط 1959، قانوناً متشدداً حمل اسم صاحب الاقتراح المرحوم النائب ريمون اده. إنّ هذا القانون قد نصّ على توقيف مفعول المادتين 547 و548 من قانون العقوبات، واللتين تنصان على القتل قصداً، وكانت عقوبة هذه الجريمة في الحالتين تتراوح بين الأشغال الشاقة لمدة خمس عشرة سنة والمؤبد. لكنّ القانون الاستثنائي المذكور شدّد العقوبة واستبدلها بالإعدام. فتساوى الوضع في القتل قصداً مع الوضع في القتل عمداً، وذلك خلافاً لمنطق العدالة، كما نصت المادة الثالثة من القانون الاستثنائي على عدم منح فاعل الجريمة في أية حالة من هذه الأحوال الأسباب التخفيفية. ثم ألغي هذا القانون في 3 حزيران 1965.
يقول النائب نديم نعيم رحمه الله في ندوة له سنة 1971: إنّ هذا القانون جعل من محاكم الجنايات آلات أوتوماتيكية لتطبيق عقوبة الإعدام، دون أن يكون لها الحق بتقدير الظروف أو الأسباب السابقة والمرافقة لارتكاب الجريمة. "ولذا فقد رأينا رئيس الجمهورية آنذاك اللواء فؤاد شهاب ومن بعده الرئيس شارل حلو، بعد أن تكاثرت أحكام الإعدام يحجمان عن البت في طلبات العفو بتجميدها... لأنّ هناك جرائم لا تستحق فعلاً عقوبة الإعدام... فكانت النتيجة معاكسة تماماً لما كان يتوخاه قانون 16 شباط 1959"... "أما محاكم الجنايات التي كانت تعرض عليها جنايات القتل قصداً والتي كانت مقتنعة بعدم توجب إنزال عقوبة الإعدام بشأنها، كانت تلجأ إلى وصف الجناية بغير وصفها الحقيقي لتفادي العقوبة الصارمة القصوى".
والاستنتاج الذي نستمده من مفعول القانون الاستثنائي مزدوج، فمن جهة كان الإحجام عند السلطة السياسية بتجميد تنفيذ عقوبة الإعدام، ومن جهة ثانية لجأ أولياء الأمر في السلطة القضائية إلى التهرب من مفعول القانون الاستثنائي، تطبيقاً للعدالة ولراحة الضمير.
نذكّر هنا أيضاً بالقانون الاستثنائي المشابه، رقم 302/94 الذي علّق مؤقتاً أحكام المادتين 547 و548 ق.ع وطبّق بشأنهما عقوبة الإعدام مانعاً على القضاء منح الأسباب التخفيفية. إنّ هذا القانون الجائر الاستثنائي والمؤقت يتعارض مع أحكام الدستور ومع استقلالية القضاء وحريته في تكوين قناعاته، وقد ألغي مؤخراً.

ب ) نكسة الحرب اللبنانية:
لقد توليت في الحياة القضائية مهاماً مختلفة، منها رئاسة محكمة جنايات التي أنشئت خلال الحرب اللبنانية، للنظر بجرائم القتل في لبنان.
وكان هذا التنظيم القضائي قد نشأ في أواخر عهد الرئيس سليمان فرنجية وبداية عهد الرئيس الياس سركيس، بموجب القانون رقم 9 الصادر بتاريخ 5 آذار 1975، واستمرت المحكمة تعمل لغاية سنة 1991، ثم توزّعت أشغالها على سائر المحاكم الجنائية في المحافظات بحسب الصلاحية بعد أن انتهى دورها.
وقد ورد على هذه المحكمة في هذه المرحلة أي خلال ستة عشر سنة 720 قضية من جرائم القتل، فصلتْ المحكمة منها بالرغم من ظروف الحرب 661 قضية، كان من أصلها:
124 حكماًبالبراءة
10 أحكامدفاع مشروع
13 حكماًمأوى احترازي
18 حكماًمؤبد
1 حكمإعدام وجاهي نفذ بتاريخ 8/4/1983
71 حكمغيابي

أما سائر القضايا الباقية فكانت أحكامها مختلفة.

( ملاحظة: يمكن اختصار هذه العِبر )
ج ) نستنتج العبر التالية:
-إنّ الجرائم التي أحدثتها الحرب كانت بشعة مخيفة ومرعبة، لكنها تبقى خارج نطاق هذا البحث ولا نريد أن نتذكرها. أما نسبة ازدياد الجرائم العادية بسبب الأحداث لا سيّما جرائم القتل فكانت ضئيلة.
-إنّ أحكام الإعدام نادرة ونسبتها قليلة. وهي على قلّتها لا تنذر بالخوف والخطر من تفشّي الجريمة حتى تنفذ بشأنها عقوبة الإعدام.
-إنّ استبدال الإعدام بعقوبة المؤبد، تدبير رادع في مبدأ القصاص. وهو يسمح عند من يخضع لفعل الندامة، في إعادة التطبيع والتأهيل.
Stefani Levasseur Bouloc Dt. Pen.
Général No 470-499-509-510
-لم يثبت علمياً واجتماعياً أنّ عقوبة الإعدام ترهب وترعب الجناة.
-إنّ قوانين العفو العام ومراسم العفو الخاص أفرجت عن عدد كبير من المحكومين بالإعدام وذلك بالاستناد إلى ظروف يسودها الاستنساب السياسي وأحياناً الحظ. ممّا ينفي مبدأ العدالة في المعاملة بين من نفذت به العقوبة في ظروف التشدّد، ومن أفرج عنه في ظروف التساهل والرحمة بالعفو العام أو الخاص.
-لقد دلت الأحداث أنّ المجرمين القساة الذين فروا من السجون بسبب الاضطرابات الأمنية قُتلوا أو قَتلوا، ولم تردعهم العقوبات التي أنزلت بهم أو التي قضوها أو نفذوها في السجن.
-إنّ المحكوم عليه القابل للإصلاح يهتدي ويندم بسبب عوامل إنسانية مختلفة بعيدة عن الحقد والانتقام، متصلة بعوامل المحبة والإيمان والعدالة. وإني أستشهد هنا بقضية فيليب موريس، الفرنسي الذي حُكم بالإعدام سنة 1977، والذي نال الدكتوارة في التاريخ وهو في السجن في فرنسا، ثم أعفي عنه سنة 2000، وانتقل إلى الحياة ثانية، وألّف كتاباً سماّه "من الحقد إلى الحياة" (De la haine à la vie).

2 – أزمة الضمير:

ما هو شعور القاضي الذي يحكم بالإعدام؟ وشعور المسؤولين عن تنفيذ حكم الإعدام؟ وما هو وضع فرقاء النزاع؟
القاضي هو الحكم الذي يمثل سلطة العدالة. وهو يقف على مسافة واحدة من فرقاء النزاع. ويحكم باسم المجتمع أي باسم الشعب. والمجتمع هو مصدر التشريع والسلطة. والتشريع قد أقر في لبنان عقوبة الإعدام منذ صدور قانون العقوبات في سنة 1943.
وجهة الادعاء تمثل أهل الضحية أي الفريق المتضرر. وما يزال هذا الفريق في الغالبية الإحصائية يتمسك في ذهنيته بحق الانتقام، ويعتقد في تصوره أنّه فوّض المجتمع والعدالة التي تمثله حق أخذ الثأر والانتقام له، عملاً بالقول: إنّ القاتل يقتل وإنّ حقّ الدفاع المشروع مقدس. وكأنّ عقوبة الإعدام التي أقرها المشرع، تؤكد حق المدعي في الانتقام له بتفويض منه. لذا إنّ لسان هذا الفريق يقول دائماً: بأنّ الدولة هي التي ستنتقم له وتأخذ له حقه من خصمه، وإن لم تفعل فهو سينتقم لنفسه. إنّ هذا الواقع الاجتماعي يحتاج إلى إرشاد وتنوير، لأنّ من واجب العدالة، فرض المساواة بين الفرقاء عند تطبيق القانون. وواجب المواطن الاقتناع بأنّ القانون يعاقب ولا ينتقم. وأنّ العقاب يحمي الحياة ولا يزهقها.
إنّ التسلح بحجة تطبيق القانون، سرعان ما تزول وتنهار أمام المنطق والعقلانية، وأمام التشريع القانوني نفسه خصوصاً إذا تعارض التشريع مع مبدأ الشرعية.
إنّ المنطق يعتبر بأنّ القانون عرضة للتغيّر بالتطوير أو بالتخفيف والتشديد، بحسب التقلبات والظروف الاجتماعية والسياسية. أمّا الظروف السياسية فتمليها الأوضاع التي تحمل الحكام أحياناً على إصدار قوانين العفو، كما تتأثر هذه الأحكام بالسياسة المختلفة بين عهد وآخر. وقد لجأ بعض الرؤساء إلى عدم تنفيذ أحكام الإعدام وتجميدها، مثلما حصل في عهد الرئيسين شارل حلو والياس سركيس. ولجأ آخرون إلى إصدار قوانين العفو. وكان أحد الرؤساء يطالبنا بالإسراع في إصدار الأحكام، وكانت النتيجة إصدار مراسيم العفو الخاص بشأنها، فكنا نفاجأ بهؤلاء المحكوم عليهم يتجولون في قصر العدل وهم يفاخرون باستعادة حريتهم. وقد طالب أحد الرؤساء في أول عهده إصدار سلسلة من أحكام الإعدام للاتخاذ من تنفيذها عبرة رادعة...

يتضح ممّا تقدم أنّ مسؤولية حكم الإعدام وتنفيذه، تتوزّع ما بين القضاة الذين أصدروا الحكم، وبين لجنة العفو ورئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ووزير العدل، كما تقع المسؤولية أخيراً على الجلاد الذي يقوم بعملية التنفيذ الفعلية.
يقول جورج بومبيدو في حديث له سنة 1970 ما يلي: عندما أواجه قرار تنفيذ حكم بالإعدام، أتصور فظاعة الفعل ونتائجه المؤلمة على الضحية وذويها، كما أتصور مدى خطورة مسؤوليتي بإرسال إنسان إلى المقصلة، فيخلق هذا الأمر فاجعة في ضميري.
«Cest un drame de conscience»

وكان لموقف رئيس مجلس الوزراء السابق الدكتور سليم الحص، يوم رفض توقيع مرسوم تنفيذ حكم بالإعدام، موقع صحوة في ضمير الأمة. ولما سئل عن السبب قال: بأنّه لا يقتنع بجدوى حكم الإعدام. وهذا دليل على عدم شرعية قانون الإعدام.
-في مجلة Nouvel Observateur في العدد الصادر في 14/3/2001 اعترافات لبعض الجلادين في أميركا. ويقول أحدهم أنّه: سئم وخجل من إطلاق شحنات الكهرباء، وترك العمل بعد أن أخضع لثلاثة عمليات في القلب. وإنّ عزاءه هو في الإيمان. ويتحدث جلاد آخر أنّ 460 محكوماً ينتظرون قدرهم. ويذكر أنّ معظم المحكومين يقاومون اللحظة الأخيرة بشراسة وضراوة يعجز المرء عن وصف بشاعتها.
-يراود فكر القضاة الذين يحكمون بالإعدام، وكذلك كل الذين يشاركون بالتنفيذ، من الجلاد إلى أصحاب القرار، رهبة ومهابة، هي رهبة قدسية الحياة. وهذه الرهبة لا تفارق الذاكرة في قرارة النفس. إنّ القضاة الذين يحكمون بالإعدام، وإن كانوا يتسلحون بالقانون كتبرير شرعي لهم، لكن هذا التبرير لا ينفع أمام رهبة الموت وأزمة الضمير.

3 – مبدأ الشرعية: شرعية التجريم والعقاب

لقد حدد المبدأ المتعلق "بشرعية التجريم وشرعية العقاب" Principe de la légalité des délits et des peines، العنصر القانوني لكل فعل جرمي وكل عقوبة مقابلة له، في المادتين الأولى والسادسة من قانون العقوبات اللبناني. وهذا العنصر القانوني يجب أن ينصّ على تعريف لكل جريمة، وتعريف لكل عقوبة مقابلة بصورة حصرية.
لقد تشدد القانون الجزائي الحديث في تحديد العنصر القانوني للجريمة والعقاب لمنع التجاوزات والظلم، وترسيخ أسس العدالة واحترام شرعة حقوق الإنسان، بعد أن تطور مفهوم العقوبة مع الزمن. فمن العقاب الجسدي Peines corporelles الذي كان يتناول تعذيب الإنسان في جسده chatiments, tortures بإحداث ألم مادي souffrance physique، مثل الضرب والتشويه والتنكيل وقطع الأوصال والوشم بالنار، إلى القتل بعد التعذيب، تطور تعريف العقاب الجزائي إلى استبدال العقوبات الجسدية بعقوبات مقيدة أو مانعة للحرية مثل السجن والغرامة والمصادرة وغيرها من العقوبات الجزائية المحددة حصراً، عقاباً لكل فعل جزائي ينص عليه القانون.
وقد عرّف القانون الفرنسي الصادر سنة 1791 عقوبة الإعدام بحرمان الحياة privation de la vie.
ولكن لنتساءل ما هي الحياة وما هو الموت؟
إنّ القانون الوضعي لا يستطيع أن يحدد تعريف الحياة أو الموت في نص قانوني، أكان ذلك بالنسبة للجريمة وتعريفها، أو بالنسبة لعقوبة الموت وتعريفها. لأنّ الحياة والموت سر من الأسرار.

لقد تحدث العلماء كثيراً عن موضوع شرعية عقوبة الموت.
La question de la légitimité de la peine de mort.
Garçon C.P.A art 8 No 13 et 24.
Garraud T.II P. 107 No 482. P. 116 et No. 483
والحجج المعتمدة كانت كلها ضعيفة وغير مقنعة، منها مثلاً العرف التاريخي بأنّ عقوبة الإعدام مطبقة منذ القدم،
Dt.Pénal Général 1997 Stefani Levasseur Bouloc No 68-69 p. 54-55
أو مقولة أنّ من يقتل عليه أن يعرف كيف يموت، أو أنّ الجريمة يجب أن تتوازى مع العقاب. إنّ هذه الحجج تنهار أمام مبدأ تطور الأحكام مع الزمن. فيتساءل غارو Garaud مثلاً مرتكزاً على تطور العلم والحضارة، ومنكراً شرعية عقوبة الإعدام بالقول: من يفكر اليوم بالدفاع عن العبودية أو التعذيب؟ وقد أصبحت هذه الوسائل بالية ومنسية؟
Qui songerait à defendre aujourd’hui l’esclavage et les tortures?
وعندما يتساءل هذا العالم بقوله: من يفكر اليوم؟ فذلك اليوم كان في تساؤله يعود لسنة 1914، ثم يجاوب فيقول: من المؤكد أنّ عقوبة الإعدام تتلاشى أمام الحضارة. ويستشهد بمؤلف بكاريا Beccaria الصادر سنة 1776 عن الجرائم والعقاب، الذي ينفي أي حق للدولة في خطف الحياة.
Garaud T. II P. 108-109 No 482

إنّ عقوبة الإعدام وخطف الحياة تتجاوز إذاً حقوق الإنسان وسلطة المجتمع الذي يعيش فيه. لأنّ السرّ لا يمكن أن يترجم إلى تعريف قانوني أو إلى حق اجتماعي. فالحياة سرّ والموت سرّ، وهذا السرّ لا يخضع لقانون وضعي، ولا يمكن التصرف به وإباحته، أو إخضاعه إلى فعل أو عمل يخرج عن حدود وطاقة ومفهوم الإنسان والمجتمع. وعندما يحدد النص القانوني الفرنسي الصادر سنة 1791 تعريف عقوبة الإعدام بحرمان الحياة، فإنّ هذا النص يكون قد تعرض لتعريف المجهول بالمجهول، والدخول في عالم الأسرار، وهذا التعريف يخالف قدرة الإنسان وموضوعية النص وسلطة المجتمع. مما ينفي شرعية النص على عقوبة الإعدام. لأنّ المجتمع لا يمثل الأفراد لا بالثأر ولا بالدفاع المشروع عن النفس، وحكم الإعدام إنما هو من رواسب الثأر والدفاع العشائري الذي يجب إلغاءه من التشريع. يتبين إذاً أنّ عقوبة الإعدام لا تنضوي تحت مبدأ الشرعية الجزائية، خلافاً لسائر العقوبات.
ثم إذا ما عدنا إلى التقرير الذي وضعته لجنة صياغة قانون العقوبات اللبناني، المؤلفة من الرئيس فؤاد عمون والعضوين الرئيسين وفيق القصار ونجيب بولس رحمهم الله، المؤرخ في 24 آذار 1939 ماذا نجد في هذا التقرير؟

لقد جاء في النص الأصلي الفرنسي تحت بند عقوبة الإعدام ما معناه:
-أنّ إلغاء هذه العقوبة مفروض جزئياً...
-إنّ طريقة التنفيذ في الساحة العامة بقصد الرهبة والعبرة تعطي نتائج عكسية، بسبب ما يطلقه المحكومون والنقاد من أقوال عند التنفيذ. فتتناقل الصحف أحاديث آخر لحظات الحياة، التي تنطوي بين السطور على لهفة تثير العطف بدل الاتعاظ. وينتهي التقرير إلى القول:
إنّها طريقة بربرية لا بد من إقصائها من عاداتنا.

4– علاقة الإيمان:

يستشهد غارو بالقول: إنّ سر الموت le mystère de mort، وسر المسؤولية، وسر الحق الاجتماعي، هي ألغاز تختبئ وراء الإعدام. وصاحب القول هو (Garraud T.II No 483) Paul Bourget
وهذا القول يذكرنا بقول فكتور هوغو أنّ: المحتوم l'irrévocable، والمفقود الذي لا يعوض l'irréparable، والمجهول الذي لا يحل l'indissoluble، هي أسرار من أمر الله وليست من علم البشر.
لقد أثبت التاريخ أنّ وسائل التعذيب المستعملة حتى الموت لم تغير في طبيعة البشر. لأنّ الخطيئة تراود الإنسان، وتتجاذبه أفكار الخير والشر. فلا روح الخير غلبت ولا الفضيلة انتصرت، ولا عقوبة الموت ألغت الجريمة، ولم تغير الحضارات من طبيعة الإنسان. وما زالت الجريمة ترتكب بنسب ومعدلات مختلفة من بلد إلى آخر حتى في أرقى الشعوب.
يقول ألبير كامو Albert Camus: لا أحد يستطيع أن ينصّب نفسه قاضياً مطلقاً لإلغاء حتى أسوأ المجرمين. لأنّ البراءة المطلقة ليست من صنع البشر.
ويقول روبير بادنتير Robert Badinter: إنّ القرآن الكريم لا يعتبر أنّ حكم الإعدام موجب للعدالة.
Le Coran ne considère pas la peine de mort comme un devoir de justice.
بل إنه رسالة سلام وإخاء:
Message de paix et de fraternité.
وقد كرّر مؤخراً هذا النداء بعد أحداث 11 أيلول الإرهابية على الولايات المتحدة.
ونقرأ في القرآن الكريم عن ظلم الإنسان وطغيانه، وعن خيره وشره وثوابه وعقابه، إذ جاء في الآيات ما يلي:
"ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها" (7-8 الشمس 91)
وجاء: "إنّ الإنسان لظلوم كفار" (34 ابراهيم 14)
ثم جاء: "فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره. ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره" (7-8 الزلزلة 99)
وتقول الآية: "ولقد كرمنا بني آدم" (70 الاسراء 17)
وتقول: "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم" (4 التين 95)
وتقول: "ثم سوّاه ونفخ فيه من روحه" (9 السجدة 32)
وتقول أيضاً: "ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي" (85 الاسراء 17)

إنّ الآيات القرآنية التي كرّمت بني آدم، تحرّم القتل في الأصل والمبدأ، وهي لا تسمح به إلاّ في حالات استثنائية كالدفاع المشروع. وهي تدعو دائماً إلى التسامح والصلح والوفاق.
من هذه الآيات آية تتحدث عن الدفاع المشروع عن النفس هي: "ومن قُتِلَ مظلوماً فقد جعلنا لولّيه سلطاناً فلا يُسرف في القتل" (33 الاسراء 17)
ثم آية تقول: "من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً. ومن أحيا نفساً فكأنما أحيا الناس جميعاً" (32 المائدة 5)
وآية تقول أيضاً: "ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلاّ بالحق" (151 الانعام 6) (33 الاسراء 17)
وتقول آية القصاص: "وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها فمن عفا وأصلح فأجرُه على الله" (42 الشورى 40)
إذ إنّ الإنسان مكرم عند الله، الذي خلقه في أحسن تقويم، ونفخ فيه من روحه. فكيف يجوز للإنسان أن يخطف هذه الروح بحكم الإعدام؟
كثيرون هم العلماء ورجال الفكر في الإسلام الذين لا يؤيدون عقوبة الإعدام، ويعتبرون أنّ الإسلام خفف كثيراً من حالات الإعدام السابقة له. إنّ حديث الرسول (ص) القائل "إدرأوا الحدود بالشبهات"، هو دليل على أنّ مداواة الجريمة لا تكون بجريمة مثلها. بل إنّه يجب على القاضي أن يعود إلى كل شبهة تحيط بالفعل فيقدرها، لأنّ العقوبة ليست هي المقصودة بعينها وموضوعها بل بغاياتها. لا سيما أنّ القرآن يدعو إلى الصفح والعفو. وأننا نستأنس برأي العلامة الشيخ عبد الله العلايلي رحمه الله الذي قال إنه: "أقرب إلى رفض عقوبة الإعدام".. وإنّ العقاب ليس للثأر ولا للتشفي بل لصيانة المجتمع والحفاظ على حياته". وهو يقول أيضاً: "هذا شأن القرآن وشأن النبي، من احتواء ما درج الناس عليه، وإفراغه من محتواه البالي لملئه بمحتوى أسمى، كمبدأ القربان الذي جرّده من محتواه الوثني من أنّه طعام الآلهة ليسمو به سموه الأعلى بالآية الكريمة: "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم". ومثل تبني النبي للمثل الجاهلي: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، بعد أن أفرغه من محتواه القبلي العشائري، بأن قال ما معناه: ونصره ظالماً بأن تضرب على يده وتردعه عن الظلم
والتمادي فيه، وبذلك قد نصرت فيه سريرته وجلوت ضميره ورددته إلى صوابه". ويحيل الشيخ العلايلي تأييداً لرأيه على كتاب "كشف الخفاء ومزيل الإلباس" ج1 ص 209.
إنّ المنطق الطبيعي عند الفرد، أن يتوازى العقاب مع الجريمة. وهذا ما يُثبّت حق الدفاع المشروع عن النفس ضمن الحدود التي نص عليها القانون وأكدتها الشرائع. أما أن يُجَيِّر حق الفرد، من الفرد إلى المجتمع ومن المجتمع إلى السلطة لحكم الإعدام، فهذا الأمر لا يحقق العدالة، لأنّه كما يقول لامرتين:
إنّ المقصلة ليست آخر منطق للعدالة.
L’échafaud n’est pas et ne peut pas être la dernière raison de la justice.
فإذا كان منطق الفرد الطبيعي هو أن يتوازى العقاب مع الجريمة، فإنّ منطق الجماعة هو تحقيق العدالة. والعدالة تفرض حماية الحياة في المطلق، وليس مقابَلَة الخطيئة بمثلها.


نقول في النتيجة:

إنّ المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام في لبنان اليوم، هي ظاهرة حضارية نتوخى من خلالها أن نثبت أنّ الدولة اللبنانية قادرة أن تبني دولة القانون العادل والإنساني، بعد مرور مرحلة وجيزة على ذيول الحرب. إنّ أزمة الضمير التي تحدثها عقوبة الإعدام عند الحكام والأفراد، هي إذاً من مسؤولية المجتمع بأكمله، الذي عليه أن ينتقل من فكرة عقاب الثأر والتشفي، إلى مبدأ صيانة المجتمع وإصلاحه، أي من حالة العقوبة الثأرية إلى حالة العقوبة الرادعة، التي يتقبلها ضمير المجتمع وإيمانه، ويأتلف معها مبدأ شرعية الجريمة والعقاب.
وهذا يتطلّب بالمقابل ما يطمئِن المجتمع، وما يؤمّن تنميته من مشاريع حيوية من شأنها المساعدة على رفع مستوى المعيشة والنهوض الاجتماعي والحضاري، وبالتالي محاربة الجريمة بالوسائل الحيوية والإنمائية والحضارية وليس بطرق سلبية أو عنفية.


Key Moments
Contact Us
Phone +961 1 445 333
+961 3 111 445