To Think


We are part of
The World Coalition Against Death Penaly and The Arab Coalition Against Death Penalty.

"خارطة طريق نحو نظام عقابي أكثر إنسانية في لبنان" "... نحو إلغاء عقوبة الإعدام "

"Feuille de route pour une justice pénitentiaire plus humaine au Liban"
"… En vue d'abolir la peine de mort"

ملخّص عن البحث بالعربية
إعداد: المحامي جوزف حداد

جوزف حداد:

محامٍ وباحث. أستاذ محاضر في كلية الحقوق في جامعة الحكمة - بيروت منذ 1994.
عضو في نقابة المحامين في بيروت، وفي نقابة المحامين في كيبك – كندا، وفي نقابة المحامين الكندييّن، وفي الجمعية الأميركية للمحامين، وفي الجمعية العالمية للمحامين. عضو في شبكة المحامين في منظمة العفو الدولية– مونتريال. مؤسّس ومدير مكتب "حداد وشركاه للقانون" في لبنان منذ العام 1981.

" في ظل هذه الأزمنة،
حيث تُنَفَّذ أحكام الإعدام من خلال محاكماتٍ مُختَصَرة بسيّاراتٍ مفخَّخة،
تَعرِض الدراسة الحالية نفسها لإضاءة شمعة بدل الاكتفاء بلعن الظلمة...
لئلاّ تبقى عقوبة الإعدام...
ولكي لا يكون بديلها، الإعتقال المؤبَّد، عقوبة حتى المَمات،
من أجل عدالةٍ عقابيّة أكثر إنسانيّة...
خارطة الطريق هذه...
نهديها الى الدكتور وليد صلَيبي،
مناضل في سبيل إلغاء عقوبة الإعدام
والذي سَعى طِوال حياته كي ينتصر اللاعنف على العنف،
وكي تستردّ كلّ حياة وَقارها،
وتستوحي من سعيه الدَؤوب دون مَلَل، بالرغم من مَرَضه المُخطِر الذي يكافحه باستبسال مجاهد."
جوزف حداد


مقدّمة:

يهدف مشروعنا هذا إلى اقتراح خارطة طريق، خطة عمل مرحلية من أجل تحسين النظام العقابي اللبناني، كي يتماشى مع المبادئ والتوجّهات الحديثة في مجال العدالة الجزائية.

الغاية الأولى من هذا العمل كانت الخروج بمستند تِقَني إرشاديّ يوفّر للناشطين في سبيل حقوق الإنسان وإلغاء عقوبة الإعدام، أداة نضال مفيدة و خطة مطلبية على مراحل، وهو بذلك لا يشكّل في أيّ حالٍ من الأحوال دراسة أكاديميةً.

في الأساس، إن مشروع هذه الدراسة قد تمّ تصوره من قبل الدكتور وليد صليبي والدكتورة أوغاريت يونان كعملٍ إرشاديّ يهدف إلى مساندة المناضلين في مجال حقوق الإنسان ومؤيّدي إلغاء عقوبة الإعدام، بحيث يؤمّن لهم تصنيفاً للمعلومات اللازمة في مسعاهم.
وقد تطورت فكرة مشروع هذه الدراسة، إلى أن اتخذت شكلها الحالي وذلك في إطار "الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية" 2005-2006.

إنّ النظام العقابي المطَبَّق في لبنان يعود بمشاربه إلى النصف الأوّل من القرن المنصرم. لكثرة ما كُتِبَ وقيلَ في هذا المجال، لم يعد من الداعي التذكير بأهمية تطوير النظام العقابي في لبنان بما يتماشى مع احترام الحقوق الأساسيّة للإنسان و بما يتوافق مع مفاهيم العدالة التعويضيّة والترميميّة وبما يتماشى مع المواثيق الدولية وإعلانات منظَّمة الأمم المتّحدة، وتوصيات مؤسسات ومراجع إقليمية كما هو عليه الحال في أوروبا المتّحدة.

لقد أضحى الالتزام بتلك النظم و المواثيق شرطاً أساسياً للانخراط في مجتمعٍ متحضّر من الأمم، وواجب مسبَق لأيّة شراكة مع التجمّعات الإقليميّة إن على الصعيد السياسي أو على الصعيد الإقتصادي، كمثل الشراكة الأورو- متوسّطية التي هي في طور التأسيس. وقد تمّت دعوة لبنان للمساهمة كشريكٍ فيها. وهي تهدف إلى خلق منطقة تبادل حرّ بين حوالَي 30 بلداً، وذلك بحلول العام 2010. لقد التزمت كافّة البلدان المنضمّة لهذه الشراكة، انسجاماً مع أحكام إعلان برشلونة، العمل على تطبيق الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

أضف إلى كل ذلك، أنّ أولوية المواضيع أمْلَتها الضرورات التالي ذكرها:
1- القوانين الجزائية اللبنانيَّة بشقّيها المدني والعسكري تتضمّن العديد من المواد التي تنصّ على عقوبة الإعدام. كما إن عقوبة الإعدام لا زالت مطبّقة فعلياً في لبنان آخرها الإعدامات الثلاث في 19 كانون الثاني سنة 2004.
2- تضمّن القوانين الجزائية عقوبات جائرة غير إنسانيّة لا تتلاءم مع التوجهات العصرية للعدالة الجزائية، كالأشغال الشاقّة المؤبَّدة.
3- قِدَم وعدم ملاءمة نظام السجون وأسس العدالة العقابيّة، كما هو عليه الحال بالنسبة للقانون الجزائي عامة الذي يعود إلى أكثر من ستّين عاماً، والذي لم تجرِ عليه أية تعديلات تُذكر. كما إن المحاولات التشريعيّة القليلة الآيلة إلى إدخال بعض التعديلات الطفيفة بقيت قاصرة لأسباب عديدة، أقلّها عدم إصدار المراسيم التطبيقيّة اللازمة لكي تدخل حيّز التطبيق، كمثل القانون رقم 463 تاريخ 26/09/2002 المسمّى قانون تنفيذ العقوبات والذي سنعرض له مطوّلاً في مرحلة لاحقة، أو المرسوم رقم 17315 تاريخ 28/08/1964 الذي قضى باستحداث إدارة سجون تحت وصاية وزارة العدل ولم تُلحق به أية مراسيم تطبيقية.
4- إنّ تنفيذ العقوبات هو بمثابة المساحة الساكنة التي لا تجيز إجراء أيّة متابعة مدروسة للمحكومين، تنسجم مع مقتضيات تفريد العقوبات وإصلاح الجناة. إنّ إدارة مرحلة تنفيذ العقوبات مُناطة بأجهزة الضابطة العدليّة من شرطة، قِوى أمن داخلي، جيش أو غيرها، والتي هي بالمجمَل غير مؤهَّلة لهكذا مهمّة.
5- أضف إلى كل ذلك الوضع المأسوي الذي يعانيه السجناء والناجم عن قِدَم عهد البنى التحتيّة وعدم ملاءمتها، وعن اكتظاظ في السجون وأماكن التوقيف، خصوصاً في غياب أية نصوص تشريعيّة تتضمّن عقوباتٍ وتدابير بديلة.

إلاّ أنه وبالرغم من اقتناعنا الكامل بأن الممارسة العقابية بشقّها الإداري وبناها التحتية على قدر كبير من الأهمية، أبقينا خارج إطار بحثنا كل ما يتعلّق بإصلاح السجون بحصر المعنى - على الرغم من أهمية الموضوع - وذلك إن على صعيد النّصوص، أو على صعيد ضرورة تأمين القدرات البشريّة والماليّة لرأب النقص وتغطية العجز الذي يعتري شروط الاعتقال.

إن هذا الموضوع قد شكّل أساس اقتراحات وتوصيات تقرير منظمة "الإصلاح الجنائي الدولي" PRI و الذي خلص إلى إن الإصلاح المذكور رهن بسياسة الدولة التي يجب أن تقرّ بأن السجون، من حيث وسائل تهيئتها وإدارتها، هي بمثابة مرفق عام مستقل بحدّ ذاته وإنه يجب أن يتمّ نقل إدارة السجون من تحت سلطة وزارة الداخلية ووضعها تحت وصاية وزارة العدل، بالاضافة إلى التخطيط لتشييد بنى تحتية ملائمة ورصد الدعم المالي اللازم.

يبقى أيضاً أن نشير إلى أنه بقدر ما هناك الكثير لقوله فيما خصّ ضرورة تعديل قانون العقوبات اللبناني ليتوافق مع المبادئ الأساسيّة لحقوق الإنسان في المواضيع المتعلقة بتعداد الجرائم، تجريم

بعض الأعمال أو عدمه،

حقوق المحتَجَزين أثناء مراحل الإستجواب والتحقيق، وأصول الإثبات في القضايا الجزائيّة، لن يتمّ بحث تلك المواضيع إلاّ بمقدار ارتباطها وتأثيرها على السياسة العقابيّة.

إنّ المواضيع الثلاثة الأساسيّة التي شكّلت محور بحثنا هي:
-عقوبة الإعدام
-العقوبات والتدابير الأخرى البديلة
-تنفيذ العقوبات

لقد آثرنا معالجة تلك المواضيع وفق تشريعاتها و تطبيقاتها في كلٍّ من نُظُم كندا، فرنسا ولبنان.
وفي معرض بحثنا المطوّل، قمنا بتبرير اختيارنا لهذه المواضيع واستبعاد أخرى اشرنا إليها أعلاه بالرغم من أهميتها.

لقد قمنا بإعداد هذا الملخّص ليصار إلى مناقشته في إطار ورشة عمل تنظّمها "الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية" القائمة بهذا المشروع، بغية إغنائه بمقترحات من الخبراء

المشاركين اللبنانيين والأجانب. وذلك انطلاقاً من النص الأساسي الكامل باللغة الفرنسية ومرفقاته العشرة الغنية جداً.

في هذا الملخّص بالعربية، نبيّن المنهجية التي اتّبعناها للوصول إلى خلاصة توصياتنا، إضافةً إلى الخلاصات الرئيسية التي سيقترحها هذا البحث والتي ستفيدنا في تقديم اقتراح قانون لإلغاء الإعدام في لبنان إلى المجلس النيابي.

المنهجيّة المتَّبَعة:

تضمن عملنا مراحل ثلاث:
-مقاربة تحليلية للنّصوص القانونية اللبنانية
- استعراض أنظمة أجنبيّة للاستدلال بها كمرجع
- تقييم المعطَيات بمقاربة مقارنة، بهَدَف استخلاص ما يلزم من عبر و صوغ ما يقتضي من مقترحات.

1- مقاربة تحليلية للنّصوص القانونيّة اللبنانية على ضوء المعطيات الواقعية، لم تقتصر على المقاربة الضيقة مادة فمادة – ما لم يُملِ النصّ ذلك ـ بل سعت إلى نظرة شمولية وظيفية Fonctionnelle

2-استعراض أنظمة أجنبيّة للاستدلال بها كمرجع.
بالرغم من أنه في الأساس، تمّ اختيار فرنسا و كندا و السويد كأنظمة نماذج في بداية مشروعنا هذا، إلاّ أنه تمّ صرف النظر لاحقاً عن اعتماد النظام السويدي لعدم واقعية المقارنة ، إذ لا يمكن تصوّر إمكانيّة تطبيق آلياتٍ متقدّمة كتلك المعتمدة في السويد على أرضيّةٍ اجتماعيّة شبيهة بأرضيّة مجتمعنا، لا تتلاءم معها أكان من حيث الهيكليّة أو من حيث الروحيّة المطروحة من خلالها.
فالواقعية أعادتنا إلى طلب المعقول من النظامين الفرنسي و الكندي:
للنظام الفرنسي ميزة أساسية، فبالاضافة إلى تراثه الإنسانيّ العريق وما يوفّره من نموذج راقٍ، فهو أيضاً مصدر استلهام تاريخي بالنسبة للقانون اللبناني.

أمّا النظام الكَنَدي، فمن خلال ارتباطه بحقوق الإنسان، وانتمائه المزدوج إلى العائلتَين الرومانو-جرمانية والأنغلوساكسونية، وكذلك من خلال نجاحه في استيعاب مختلف مشارب الهجرة القادمة وصهرها في بوتقة اجتماعية تتدنّى فيها نسب الإجرام وتطبق نظاماً عقابياً متناسقاً، كان لنا أيضاً نَموذَجاً.

3- تقييم المعطَيات، انطلاقاً من مقاربة وظيفية مقارنة، بهَدَف استخلاص ما يلزم من عبر وصوغ ما يقتضي من مقترحات.
إن مقارنتنا للأنظمة الثلاثة أتت من خلال مقاربةٍ مؤسّساتيّة institutionnelle عامة، وفق معايير وظيفيّة، في خدمة غاية محددة وهي أنسنة العقوبة تدريجاً بما هو ممكن.

لقد عالجنا روحيّة هذه القوانين أكثر ممّا عرضنا لتفاصيل تطبيقها. انطلاقاً من هذا المنظور، اتخذت الجَدَليّة المعتمدة طابعاً مزدوجاً:
•فإذا بها جدلية قيم. عندها، لم تعد النصوص القانونيّة تحمل أيّ معنى إلاّ بقَدَر ما تهدف إلى تحقيق هذه القِيَم.
•وكان أن صُقِلت الجدلية بحدود الممكن والمعقول، ما دعانا للقول في هذا المجال أن مقترحنا تحدد بما توفره له السياسة والواقع من وسائل للانبعاث و رؤية النور.

أما القيم فتأطّرت دون الخوض في غمار المذاهب الفلسفية ومدارس علم الاجتماع الجنائي، فتبلورت هدفاً نصبو إليه: وهو إرساء عدالة ذات طابع إنساني تسعى إلى تفريد العقوبات لتحقيق إعادة الانخراط الاجتماعي، بحيث تضحى الجنوحيّة حالة اجتماعية يستلزم متابعة تطوّرها، ومعالجة الجانحين أسلوب إدارة أكثر منه خَياراً فلسفيّاً.

في المقترح

الإعدام أولاً:
منذ صدور قانون العقوبات عام 1943 ، نفذت هذه العقوبة 51 مرّة، منها 14 مرّة ما بين الأعوام 1994 و 1998 و ثلاث إعدامات في سنة 2004. وذلك بحسب البحث الإحصائي الوحيد الذي أعدّته وللمرة الأولى في لبنان د. أوغاريت يونان (1943- 2005).

إنّ التحرّكات المؤيّدة لإلغاء عقوبة الإعدام والتي أطلقتها بجرأة وفاعلية نموذجاً رائداً عندنا وفي المنطقة "الحملة الوطنية من أجل إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان" منذ 1997 بمبادرة من د. وليد صلَيبي... كما الضغوط الدولية، سيّما مساعي الاتحاد الأوروبي، قد أدّت مؤخَّراً في لبنان إلى خلق واقعٍ مجافٍ للإعدام تمثل بإيجابيتين:

- من جهة، نجحت هذه التحركات سنة 2001 بإلغاء التعديل الصادر بموجب القانون رقم 302 في 21/03/1994 ، القاضي بوجوب تطبيق عقوبة الإعدام فيما خصّ كلّ جرائم القتل ذات الطابع السياسي، وجرائم القتل القصديّة، من دون إمكانيّة منح ظروف مخفّفة.
إنّ إلغاء التعديل رقم 302 أعاد العمل بأحكام المادتَين 547 و 548 من قانون العقوبات اللتَين تحدّدان الحالات التي تُطَبَّق فيها عقوبة الإعدام، مع ترك حرّية تامّة للقضاة في منح الظروف المخفّفة. أما الأمثولة التي كانت لنا من هذا التعديل، فهي أن أفضل السبل للوصول إلى

إلغاء عقوبة الإعدام تكمن في سياسة "القضم و الهضم" على قدر الممكن و المتاح. فالذي "يكبّر حجره لايوصله بعيداً " وفق ما تقوله الحكمة الشعبية.

- من جهةٍ أخرى، قُدِّم اقتراح قانون من قبل 7 نوّاب في آب 2004 ، يهدف إلى إلغاء عقوبة الإعدام واستبدالها بعقوبة الأشغال الشاقّة المؤبَّدة دون إمكانيّة التخفيض أو الإفراج. لم تُستكمل المساعي، فنام الاقتراح المذكور في أدراج المجلس النيابي ولم يبصر النور.

لقد تحدّد مع هذين الحدثين الهامش المطلبي في ما يتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام، ما بين حدّ أدنى وحدّ أقصى.

من هنا كان سعينا الواقعي لحلول مرحلية تتناسب فيها كل مرحلة مع هذا الهامش المطلبي وفق المقبول والممكن. وعليه، بلورنا اقتراحاتنا كما يلي:

1-تدعيم حالة وقف تنفيذ عقوبة الإعدام:
إن توصيتنا الأولى تكمن في تدعيم وقف التنفيذ الفعلي لعقوبة الإعدام والتي سَبَقَ أن ساد في الفترات الزمنية الممتدة بين الأعوام 1998 إلى كانون الثاني من العام 2004، وعدم السماح بأي استثناء لأيّ سببٍ كان، وذلك حتى إلغاء عقوبة الإعدام من نصوص القانون.

إذا كان وقف التنفيذ خلال الفترة المشار إليها قد استمد في البدء سببه الموجب من إرادة تمحورت حول اقتناع تكوّن أساساً لدى دولة الرئيس سليم الحص عند تبوّئه مركز رئاسة الحكومة في العام 2000، يبقى أن ثباته حالياً نابع من عوامل ظرفية متداخلة ملازمة لحالة

العجز على مستوى السلطة التنفيذية من جهة، والأولويات السياسية التي تفرضها التداعيات الدراماتيكية الأخيرة.
فيقتضي الآن الارتقاء به نهائياً إلى مستوى الاقتناع والقرار الرسمي النهائي، بحيث يصبح بمنأى عن خطر الرجوع عنه.

2-إلغاء عقوبة الإعدام في النصوص:
بعد تدعيم وقف التنفيذ في الممارسة،
يقضي اقتراحنا في مرحلة ثانية بالعمل على تعديل النصوص القانونية لجهة استبدال عقوبة الإعدام بعقوبة الاعتقال المؤبد أو بعقوبة الأشغال الشاقّة المؤبّدة وفق طبيعة الجرم المرتكب وظروفه.

قد يُعارضنا البعض بحجّة أنّ هذا الإقتراح لا يروي غليلهم، كونهم يفضلون استبدال الإعدام بالسجن لمدة محددة قد تتراوح بين 25 و ثلاثين سنة.

إلا أن الواقعية تفرض علينا الانتقال التدرجي بين حالة العقوبة القصوى إلى حالات – ولو مرتجاة - إنما غير مقبولة في الظرف الراهن.

إن العبر التي لنا من أمثلتنا المقارنة تدعم صوابية اقتراحنا.
إذ إن معظم البلدان التي ألغت عقوبة الإعدام استبدلتها بالسجن المؤبد .
كما أنه في الكثير من الحالات تمّ إلغاء هذه العقوبة على مرحلتين - إن لم يكن أكثر- كما في كندا مثلاً حيث أُلغيت في العام 1976 من قانون العقوبات المدني وفي العام 1998 حيث أُلغيت نهائياً في الجرائم التي تطال الدفاع الوطني.

إن لم يكن بالمستطاع استبدال عقوبة الإعدام بالسجن المؤبد، لا ضير من اقتراح عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة كعقوبة بديلة باعتبار أن تلك العقوبة غير مطبقة واقعياً في لبنان لانعدام أطر وبنى تطبيقها، وهي توازي عملياً عقوبة السجن المؤبد.

3- أنسنة عقوبة المؤبد:
إنّ الاعتقال الجنائي المؤبَّد قد نصّت عليه المواد 37 و 38 من قانون العقوبات. وتكون هذه العقوبة هي الأشدّ ـ بعد عقوبة الإعدام ـ إذا ما اقترنت بالأشغال الشاقّة.

في فرنسا كما في كندا، يُعتبر السجن المؤبد العقوبة القصوى التي يمكن أن يُقضى بها. غير أنها – فيما عدا بعض الجرائم المشددة – قلّما تؤول إلى مؤبد ناجز غير قابل للتخفيض أو الافراج المشروط و لو لمدد طويلة.

إن الوضع الحالي في القانون اللبناني مغاير بحيث أن هذه العقوبة هي مؤبدة بشكل حقيقي ناجز perpétuité réelle، مع استحالة التخفيض إلاّ في حالات العفو.

إن الامثلة المقارنة تشير إلى نزعة حالية نحو التشدد في إجازة المؤبد "لأجل" وإطالة فترات الضمان التي لا يحق خلالها للجناة طلب الافراج المشروط. كل ذلك من خلال معادلة تسعى لأنسنة هذه العقوبة دون التفريط بحماية المجموعة أو بحقوق الضحية، لذا كان من غير الواقعي راهناً اقتراح استبدال عقوبة المؤبد بالسجن لأجَل ـ أيّاً كانت هذه المدّة (25 أو 30 سنة).
أكثر من ذلك، و لكي لا يكون السجن مدى الحياة، سجناً للممات،
ومن ضمن سعينا إلى تلمّس نظام عقابي ترميمي،
حاولنا استشفاف النصوص المطبقّة حالياً في القانون اللبناني التي يمكن إعادة تفعيلها أو اقتراح تحسينها كي تتحوّل عقوبة المؤبد الفعلية إلى مؤبد قد يتيح الاستفادة من تخفيض

العقوبة أو الإفراج المشروط بما يسمح بأنسنة هذه العقوبة رحمة وتخفيفاً من اكتظاظ السجون.

و قد تبيّن لنا إنّ تطبيق المادة 108 من مرسوم تنظيم السجون - الذي كان ولا يزال مطلباً مزمناً على لسان المحكومين الذين يقضون عقوباتهم في ظل ظروف مذرية- دونه عقبات يصعب تذليلها في الإطار القانوني الراهن.

إلا أنه تبيّن لنا بالمقابل إنّ القانون رقم463 /2002 المتعلّق بتنفيذ العقوبات يمكن أن يشكل أساساً صالحاً وأرضية جيدة لسعينا المنوّه عنه، لو قيّد له أن يقترن بالمراسيم التطبيقية التي تحدد إجراءات وضعه موضع التنفيذ.
فنظراً للبذور التي يحملها هذا القانون في طياته، اعتبرناه أداة تطوير ورافعة قانونية يمكن توسّلها لتحقيق غاياتنا، لذلك دأبنا على معالجة الثغرات التي تعتريه وفق المقترحات التالية:

1- إصدار المراسيم التطبيقية للقانون رقم 463 وذلك في أقرب وقت ممكن.
2- تشكيل الهيئات المنصوص عنها في هذا القانون وفي المراسيم التطبيقية الخاصة به.
3- تضمين المراسيم التطبيقية المنوّه عنها أحكام تلحظ بعض العقوبات البديلة كيوم الغرامة والعمل للمنفعة العامة وذلك ـ في مرحلةٍ أولى اختبارية ـ انسجاماً مع الشروط المنصوص عنها في المادتين 12 و 13 من القانون المذكور كي يصار بعدها إلى اعتماد تلك التدابير كعقوبات بديلة ضمن أحكام قانون العقوبات.
4- أن يتم حسم اللغط حول الطبيعة القانونية لتخفيض العقوبات المنصوص عنها في القانون المذكور والتأكيد عليها كأحد أوجه الإفراج المشروط، تمهيداً لاعتماد هذا المفهوم القانوني Libération conditionnelle، كمصطلح مؤسساتي قائم بذاته، وذلك على غرار كل من النظامين الفرنسي والكندي.
5-إزالة الالتباس الناشئ بسبب سوء صياغة المادة 4 من القانون المذكور والمتعلقة بتخفيض العقوبات الجنائية المؤبدة، وذلك بهدف تمكين المحكوم عليهم من تقديم طلبات التخفيض بحيث يستفيد من التخفيض مع مفعول رجعي أولئك الذين سبق أن نفذّوا ما بين عشر سنوات وعشرين سنة سجن أو أكثر.
6-تحديد وحصر نطاق الحالات المستثناة من منح تخفيض العقوبة والمنصوص عنها في المادة 15، وذلك عن طريق تعديل إجراءات تلك الإستثناءات وشروطها، بحيث تلغى الاستثناءات الحكمية لبعض الجرائم، ويعطى المرجع القانوني المكلّف منح التخفيض هامشاً من التقدير وفق ظروف الجرم أو حالة المحكوم عليه في يوم تقديمه الطلب، مع الأخذ في عين الاعتبار حسن سلوكه وندمه الحقيقي وجهوده في سبيل التكيّف مع المجتمع المدني.

7-وصوناً لعدالة الإجراءات، من الضروري إجازة الطعن بالقرارات الصادرة عن المراجع المكلّفة بمنح هذا التخفيض، بحيث يشكلّ ذلك المرحلة التمهيدية نحو جعل هذه الاجراءات قضائية بامتياز، توصلاً لوضع أسس نظام رقابي قضائي على تنفيذ العقوبات، ووضع إدارة السجون تحت وصاية وزارة العدل.

ملاحظات ختامية:

يبقى أن نورد في نهاية المطاف ملاحظات ختامية ثلاث:

1-إنّ التدرّج الذي سبق أن اقترحناه هو حلّ عملاني موقت، في ظروف تتشابك فيها هواجس الأمن والبعد الإنساني في جدلية معيوش يوميّ غير آمن وتمّنٍ مستديمة. إلا أن المبتغى النهائي لا يجب أن يرضى سقفاً أقل من السعي لإعادة صياغة قانون للعقوبات بشكل متناسق وكامل بما يتلاءم مع متطلبات الانصهار في مجموعة الأمم الحضارية حامية حقوق الإنسان.

2- إن سياسة المراحل المقترحة من شأنها أن تمهّد لإجراء صقل تدريجي للمقدرات الإدارية والموارد البشرية المكلّفة تطبيق النظام العقابي، سعياً إلى الارتقاء بها نوعياً وتحويلها لاحقاً إلى مؤسساتٍ قانونية ذات بعد إنساني متجذّر على غرار مؤسسة قاضي تطبيق العقوبات في فرنساJAP أو اللجنة الوطنية للإفراج المشروط في كندا.
فتكون فرصة اقتباسٍ وإنّما أيضاً فرصة تكيّف.

3- إن تعديلاتنا المقترحة تبقى منقوصة ما لم يصحبها وعي سياسي وإرادة حكومية بأن أنسنة النظام العقابي قانوناً وممارسةً هي الطريق الأقصر نحو الحدّ من الجريمة و ليس العكس، وأن المؤسسات العقابية يجب أن يرعاها الحاكم رعاية الأب الصالح لولده الذي ضعف وأخطأ نتيجة خللٍ عامّ في المجتمع هو أيضاً مسؤولٌ عن معالجته أساساً.. فيؤمّن لها إذ ذاك المقدرات اللازمة من تمويل وقدرات بشرية متخصّصة وبنى تحتية...

بيروت، كانون الثاني/يناير 2006


Key Moments
Contact Us
Phone +961 1 445 333
+961 3 111 445