To Think


We are part of
The World Coalition Against Death Penaly and The Arab Coalition Against Death Penalty.

ورشة إعداد ناشطين ومنشطين لاعنفيين مناهضين للإعدام

تحقيق ريما ابراهيم

في الرابعة فجراً تجمعوا، وقفوا يرتعدون، ربما توتراً وربما برداً...
القضاة والمحامون ورجال الأمن والصحافيون ورجل الدين والطبيب، وقفوا جميعاً ينتظرون اقتياده من قبل الجلادين الى منصة الإعدام، ليتمموا آخر فصول القصة التي اشتركوا فيها وصنعوا أحداثها. ألبسوه الثوب الأبيض وتقدموا منه واحداً تلو الآخر... ليلعب كل منهم الدور الذي جاء يلعبه: من سؤاله عن آخر أمنياته الى لف الحبل حول رقبته الى ركل الخشبة من تحت قدميه الى التأكد من إسلامه الروح، ثم الصلاة لراحة نفسه... على وقع إجهاش أقاربه بالبكاء لما أصابه وأصابهم... وغياب شعور أهل ضحية جريمته بالرضى الذي توقعوا الشعور به لرؤيتهم "القاتل يقتل".
مع أن جميع الحاضرين يعون تماماً أنها تمثيلية، اشتركوا في كتابتها والتحضير لها قبل أن يشتركوا بتأديتها، إلا أن الرهبة كانت هناك، والشعور بالذنب أيضاً والمرارة...
"بعد هذه الليلة العصيبة لم يعد لدي ذرة شك في وجوب إلغاء هذه العقوبة الوحشية، مهما كانت الجريمة التي ارتكبها المجرم...عبثاً حاولت إقناع نفسي أنها مجرد تمثيلية، لكي أسيطر على انفعالي لكنني لم أفلح... كيف يستطيعون فعل ذلك؟" تعلق عفت ملص، الأستاذة الثانوية التي كانت لا تزال صباحاً تحت تأثير صدمة تمثيلها دور القاضي الذي سأل "ريان"، الذي يلعب دور المحكوم بالإعدام، عن آخر أمنياته...
في الرابعة فجراً إذن جرت تمثيلية "تنفيذ الإعدام" على شرفة الطبقة الخامسة من مبنى دار سيدة الجبل، المطل على خليج جونيه وكازينو لبنان، وأضواء الجبل والساحل بملاهيه التي تضج بالحياة... لم يخفف جمال المنظر الأخاذ من على تلك الشرفة، من بشاعة وفظاعة مشهد "الإعدام"، ولم يخفف واقع كون ما يجري مسرحية، من وقعه في نفوس المشاركين.
وذاك كان الهدف من وراء هذه "المفاجأة"، التي أبلغوا بها قبل ساعات قليلة من تنفيذها دون أن يأتي ذكرها في جدول الأعمال الموزع على المشاركين "في ورشة إعداد ناشطين ومنشطين لاعنفيين مناهضين للإعدام" الذي نظمته ودعت إليه "الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية"، بهدف اكساب المشاركين، الوافدين الى هذا المضمار، ومنهم معلمون وفنانون وأساتذة جامعيون، أسساً رئيسية وأفكاراً مبسطة حول ثقافة مناهضة الإعدام. وكذلك بهدف تزويد المتخصصين من بينهم، والعاملين في حقول مرتبطة، كالمحامين والناشطين في جمعيات وهيئات والأخصائيين الإجتماعيين العاملين في السجون ومع المساجين، بمهارات نظرية وتطبيقية تخولهم التنشيط في جلسات توعية، لا سيما مع الشباب والطلاب ومع الناشطين ضد الإعدام.
وذلك تمهيداً لإعادة إطلاق "الحملة الوطنية من أجل إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان"، مع بدايات العام الجديد، والتي قد يبدو للبعض أنها تأتي خارج الزمان والمكان والمقام والسياق... وهذا ما لم يغب عن ذهن الدكتورة أوغاريت يونان، إحدى مؤسسي "الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية" المنظمة للورشة، والتي قالت إنه "لوهلة تبدو هذه القضية غير أولوية، فهي ليست قضية يومية كغيرها من القضايا المعيشية التي تنغص عيش المواطن..." وأضافت " إن القتل، انتقاماً، باسم القانون والشعب هو أقصى وأقسى ما تفعله دولة... هي قضية تتعلق بأخلاقياتنا وبفهمنا للعدالة... في كل الدول التي ألغيت فيها هذه العقوبة كانت قضية مشرفة، لذا فإن الوقت هو دائماً وقتها..."
أما المشاركون في الورشة فقد جاؤوا أفراداً وجماعات، بأسمائهم الشخصية أو بأسماء هيئاتهم، ومن بينها جمعية "عدل ورحمة" التي أرسلت مجموعة من المرشدين الإجتماعيين الذين يتعاطون عن كثب وبشكل يومي مع المساجين فيتابعون أحوالهم وحيواتهم اليومية، ومن بينهم محكومون بالإعدام. وكذلك فعلت "الحركة الإجتماعية" حيث أرسلت مجموعة مرشدات إجتماعيات، تعمل كل منهن في قطاع مختلف، فبينهن من تتابع أحوال نزيلات سجن النساء "بربر خازن" ومنهن من تعمل مع الأحداث في سجن رومية، ومنهن أيضاً من يتابع مع الأحداث تنفيذ عقوبة "العمل للمنفعة العامة". "مؤسسات رباب الصدر" تمثلت أيضاً بمتخصصة في مجال التربية المسرحية تتولى العلاج بالدراما. "الجمعية اللبنانية لحقوق الإنسان" تمثلت بمحام، كما تمثلت "شمل"، شباب مواطنون لبنانيون لاعنفيون" بعدة أشخاص ناشطين في مجالات عدة...
أما الأفراد فمعظمهم أصدقاء "للهيئة اللبنانية للحقوق المدنية"، ومشاركون في عدة نشاطات معها، أغلبهم عاملون في القطاع التربوي، ومن بينهم مدير جامعة "AUCE المناضل القديم في مجال حقوق الإنسان واللاعنف جان أبي غانم، وزوجته الفنانة المناضلة أيضاً في المجال نفسه، أمال طنب، والدكتور غسان قسطنطين المحاضر في الجامعة المذكورة.
ومن بين الأفراد أيضاً الدكتور بسام دبليز رئيس رابطة الجامعيين في الشمال وزميله الأستاذ أنطوان رحال المشاركين في عدة نشاطات مع الهيئة.
"جامعة اللاعنف العربية" التي أسستها الهيئة اللبنانية، والتي بدأت في الصيف المنصرم أولى دوراتها، كانت حاضرة من خلال عدد من طلابها...
كل من الحاضرين جاء لسبب مختلف عن الآخر لكنهم جميعاً يرفضون عقوبة الإعدام، وأتوا ليتعرفوا عليها وليكتسبوا مهارات تمكنهم من أن يكونوا ناشطين في حملة مناهضتها.
فؤاد الديراني، أستاذ فلسفة، وتلميذ في جامعة اللاعنف العربية، يقول إنه لا يدري لماذا هو ضد الإعدام لكنه يعرف أنه ضد القتل، كل القتل، وضد كل أسباب تبريره كائنة ما كانت.
من بين الذين يشاركون لأول مرة في نشاط مماثل، كانت دينا الباب، معلمة في البعثة العلمانية الفرنسية في طرابلس، التي حملتها الى هذه الورشة، تجربة مختلفة ومقاربة لموضوع الإعدام من الموقع الآخر، فوالدها توفي قتلاً وأعدم قاتله، وقد جاءت لتقول إنها لم تكن أبداً مع إعدام قاتل والدها إذ أنها لم تكن تريد لأولاد القاتل أن يتيتموا كما حصل معها.

برنامج الورشة توزع على أربعة محاور، استهلت بالتعريف بعقوبة الإعدام وبالجرائم التي يوقع عليها قانون العقوبات اللبناني هذه العقوبة وقد تولى المحامي عصام سباط، عضو "شمل" والناشط مع الهيئة اللبنانية إعداد عرض مبسط لتلك الجرائم وتوقف مطولاً عند القانون 302/94 الذي استعاد ما كان يعرف بقانون "القاتل يقتل"، الذي فرض لفترة من الزمن توقيع تلك العقوبة على كل قتل مقصود معطلاً بذلك نصوص القانون التي تميز بين القتل قصداً والقتل عمداً والتي تقصر الإعدام على الأخير دون الأول، حارماً بذلك القضاة من حقهم في النظر في أسباب الجريمة لاسيما التخفيفية منها.
المحور الثاني تضمن عرض سيرة "الحملة الوطنية من أجل إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان" وقد قدمته السيدة صفاء الضيقة، الناشطة مع الهيئة اللبنانية والتي تعمل منسقة في التوجيه التربوي في المدارس الرسمية في لبنان الشمالي. وقد تضمن هذا المحور عرضاً حيوياً مع وثاق وصور عن مسيرة الحملة، التي تعتبر الحملة المدنية الأولى عربياً من نوعها، والتي بادر الى الدعوة إليها، في العام 1997، مؤسسي الهيئة اللبنانية الدكتورة أوغاريت يونان والدكتور وليد صليبي، لينضم إليها خلال أعوام قليلة حوالي الستين منظمة وهيئة وحزب، لتحقق في  العام 2001 أول الأهداف التي وضعتها لنفسها، عندما نجحت بعد سلسلة من التحركات الدؤوبة بإلغاء القانون 302/94.
الحملة كانت عشية حرب تموز على موعد مع رئيس الحكومة لتقديم مشروع قانون بديل، لكنها اضطرت بسبب الظروف التي مر بها البلد الى أخذ استراحة قسرية.
عرض تلك المسيرة جعل وجوه المشاركين تشرق، وقد عبر العديد منهم عن مفاجأته إذ كانوا يعتقدون أنهم آتون للتأسيس لحملة مماثلة، مع ما يتطلبه ذلك من عمل وجهد، ليتبين لهم أن ثمة جهداً جباراً قد بذل، وكماً من الوثائق والدراسات قد أعد، وعدداً من الأساليب والوسائل قد ابتدع
وأن ما عليهم سوى نفض الغبار عما أنجز والمتابعة من حيث توقفت الحملة.
إختتمت جلسات اليوم الأول بهذه الإشراقة، لينام المشاركون ويحلموا بوسائل جديدة تمكنهم من متابعة المسيرة. غير أن سيل الأحلام السعيدة قطعه اضطرارهم للإستيقاظ قبل حلول الفجر لأداء تمثيلية الإعدام، التي ربما استخف بها بعضهم، مما دفعه لإختلاق اعذار لعدم المشاركة.
كثر ممن شاركوا في التمثيلية لم يتمكنوا من النوم مجدداً، واختفت عن وجوههم الإشراقة التي علتها مساءاً ليحل محلها تجهم وقلق فرضهما شعور بالمسؤولية وبالذنب ورغبة في فعل ما يحول دون استمرار تكرار "الإعدام" الذي وصفوه بأنه جريمة أفظع من الجريمة التي سببت توقيعه.
لذا جاء المحور الثالث الذي اختير للمتابعة في اليوم التالي، في محله تماماً: "ثقافة الحجج اللاعنفية لإلغاء الإعدام" الذي أدارته الدكتورة يونان والذي استعرضت خلاله مجموعة من الحجج والبراهين التي تساق رداً على تلك التي تبرر الإعدام وتدافع عنه.
الخطة كانت بأن يسوق المشاركون كل ما لديهم من حجج ضد الإعدام وكل ما يعرفونه من حجج مع الإعدام، تكتبها الدكتورة يونان على لوح عملاق وتضعها في مواجهة بعضها ليصار لاحقاً الى مناقشتها.
على اللوح ارتسمت عبارات مثل " ضد القتل بالمطلق" "لا نعالج جريمة بجريمة" "لا تشكل رادعاً" "لا تعالج الأسباب" "لا إمكانية للتراجع عن الأخطاء القضائية" " الإعدام يناقض التزام لبنان بمواثيق حقوق الإنسان" ... وغيرها من الحجج ضد الإعدام، قابلتها حجج معه "هيبة الدولة" "عدم قابلية المجرم للإصلاح" "تطهير المجتمع" "منعاً للثأر" والأهم "العدالة لأهل الضحية"...
تلا ذلك تمرين تطبيقي وضعت فيه مجموعتان من المشاركين في مواجهة بعضهما، إحداهما مع الإعدام والأخرى ضده، ليقوم بقية المشاركين بتقييم الحجج المساقة من قبل الطرفين.
التمرين كان عبارة عن حلقة تلفزيونية تديرها الدكتورة يونان، تستضيف فيها ناشطين ضد الإعدام ومدافعين عنه، وقد اختارت أن يناقشوا إعدام أحمد منصور مرتكب "جريمة الضمان" الذي نفذ فيه حكم الإعدام في العام 2004. فوجئت الدكتورة يونان باثنين من المشاركين اختارا أن يلعبا دور أقارب ضحيتين لهذه الجريمة، مما أربك محاوريهم وصعب مهمتهم...
بعد انتهاء التمرين جاء دور التقييم من قبل بقية المشاركين، الذين أجمعوا على أن حجج أهل الضحايا لعبت على الوتر العاطفي، وعبروا عن قلقهم من أن يكون تأثيرها على الرأي العام أقوى من تأثير حجج المناهضين للإعدام.
الدكتور وليد صليبي، الحائز على جائزة الجمهورية الفرنسية لحقوق الإنسان للعام 2005 على دوره الريادي في مناهضة الإعدام، ومؤلف كتابي "عقوبة الإعدام تقتل" (1997) و"عقوبة الإعدام في التداول العام" (2002)، أكد على ما ذهب إليها المشاركون، وذلك في المحور الرابع الذي تناول "منهجيات الإقناع"، فقال إن أصعب مواجهة تكون مع أهل الضحايا، لذا فإن الحجج في مواجهتهم يجب أن تختلف عن غيرها، ويجب ألا يظهر بأي حال من الأحوال أن المناهضين للإعدام هم مع القاتل ضد الضحية وأهلها، بل على العكس يجب عليهم أن يبدوا لهم كل أشكال الدعم والإحتضان، وأن يعلنوا في كل حين استنكارهم الجريمة الأولى كما الثانية التي ترتكب باسم انصافهم. هذا المحور تناول المنهجيات في الإقناع عموماً وليس فقط في مجال مناهضة الإعدام ولعله كان من أهم المحاور في الورشة.
وقد خلص الدكتور صليبي بالإشتراك مع الحضور الى أن استراتيجية الإقناع يجب أن تمر أولاً بإعلان المبادىء التي يتم اعتمادها: من الحب والصدقية، والاعتراف بحصة الجميع، بمن فيهم المجرم، من الحقوق، الى العمق والوضوح في المفاهيم ومنها مفاهيم العدالة والمسؤولية وفلسفة العقاب. وثانياً بتحديد الإطار لأي تحرك: من يتحرك؟ أخلاقياته، مبادئه، خبراته وسلوكه.
وباتجاه من يتحرك؟ وما هي الظروف المحيطة؟
ثالثاً: ما هي الأمور التي تسانده وتدعم حججه من احصاءات ومعلومات ودراسات وتجارب؟
رابعاً والأهم: من أين تكون البداية؟ أمن الذهن والمنطق؟ أم من الإنفعال والعاطفة؟ أم من التجربة والسلوك؟    
في هذا المحور أيضاً جرى التعمق في فلسفة العقاب والعدالة والمسؤولية، كما يشرحها علماء الإجرام والعقاب، الذين يحملون مسؤولية الجريمة، كما غيرهم من الفلاسفة والمفكرين، لثلاثة أطراف أحدها هو المجرم والثاني هو البيئة المحيطة والثالث هو النظام السياسي ونظم العلاقات السائدة فيه واقتصاده. فكيف يوقع العقاب على أحد المسؤولين عنها دون غيره؟ وكيف يكرس تنصل المجتمع والدولة من تحمل مسؤوليتهم عنها؟
النقاشات التي كانت على مدى يومين تبدأ في الجلسات، نادراً ما كانت تنقطع في اوقات الإستراحة أو الطعام. كانت دار سيدة الجبل كخلية النحل، كيفما التفت سمعت نقاشاً حماسياً.
لكل أسبابه وقناعاته وحججه، لكنهم جميعاً يرون في الإعدام "جريمة" مرتكبة بدم بارد، وهم متفقون مع الدكتور صليبي في أن "جريمتين لا تصنعان عدالة" وكلهم متحمسون لإعادة إطلاق الحملة الوطنية من أجل إلغاء عقوبة الإعدام مع بدايات العام المقبل. 



Key Moments
Contact Us
Phone +961 1 445 333
+961 3 111 445